عز الدين الورداني: حقيقة السياسة الصينية لاستيعاب الأويغور

عز الدين الورداني: حقيقة السياسة الصينية لاستيعاب الأويغور

thتحاول الصين إيهام العالم بأن سياستها الدينية والثقافية داخل تركستان الشرقية، هي عملية لجعل الأويغور والجماعات الأخرى ذات السمات والهوية الدينية والثقافية المختلفة على قدم المساواة والتشارك في عضوية الجماعة الاجتماعية الأكبر، بما يعنيه ذلك من الفهم الكامل لأفكار وثقافة وهوية الآخر الدينية والعرقية من أجل التعامل الجيد معها والحفاظ عليها واحترامها ومنحها حرية البقاء والتطور، وما تشير إليه هذه العملية من محاولة لحل خلافات عدم التماثل والمساواة لجعل مختلف الجماعات والأفراد داخل المجتمع يحترم بعضها بعضا وتتقبل الاختلافات الموجودة بينها.

وذلك على غرار المحاولات التي جرت لحل مشكلات الشعوب الأصلية في العديد من الدول في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وجنوب إفريقيا وأستراليا .

غير أن الواقع في تركستان الشرقية يؤكد أن ما تقوم به الصين هو محاولة لجعل جميع مكونات المجتمع التركستاني يعمل كشيء واحد وفي إطار مصمم من أجل إضعاف وتفكيك الهوية الدينية والثقافية للأويغور؛ لكي يفقد الأويغور ثقافتهم وهويتهم تدريجيا وتصبح مشابهة لثقافة وهوية مجتمع الهان(العرق الأكبر والمسيطر داخل الصين)، وغير متعارضة مع الإيديولوجية الشيوعية الرسمية داخل الدولة الصينية.

وبذلك يفقد المجتمع الأويغوري هويته الدينية  والثقافية المستقلة، ويصبح مجبرا على التخلي عن أغلب سماته الثقافية والدينية واكتساب سمات أخرى تحل محلها لكي يتماثل مع ثقافة الهان ويندمج داخلها مع بقاء ثقافة الأويغور وهويتهم كثقافة فرعية تشكل طبقة أو مجتمعا مغلقا محصورا في أماكن محددة يمكن التعبير فيها عن هويته ـ لأغراض دعائية ولتفادي انتقادات المجتمع الدولى ـ وذلك تحت الإشراف والرقابة الشيوعية الصينية الصارمة ومن ثم يتم تحجيمها والقضاء عليها تدريجياً.

وهذا يعني أن السياسات الصينية المطبقة في مختلف المجالات المؤثرة على الهوية الدينية والثقافية مثل: التعليم، اللغة ، الحريات الدينية ، العادات والتقاليد، التهجير السكاني للهان بكثافة إلى تركستان الشرقية، التهجير القسري للسكان الأويغور من مساكنهم وهدم العديد من الأحياء التاريخية القديمة في كاشغر وغيرها، تلك السياسات عند تحليلها نجد أنها في مجملها سياسات تستهدف إحداث تحول وتغيير ثقافي للأويغور وفرض السيطرة الصينية من كافة الجوانب على كيان أصغر وأقل قوة وجعله مماثلا للمجتمع والثقافة الأكبر المسيطرة.

 وأود أن اشير إلى وجود إشكالية كبرى في رؤية الحزب الشيوعي الصيني لذاته وفكره، إذ يعتبر أنه يمثل الجانب الأكثر ذكاءاً وتقدما في العالم، وأن هناك حتمية لاستخدام القوة ضد من يعارض وما يتعارض مع رؤيته وفكره وسياساته، بمعنى أنه النموذج الأمثل الذي يجب أن يطبقه الجميع داخل وخارج الصين بإرادتهم أو رغما عنهم، أي بالقوة الجبرية والعنف، حيث قال ماوتسى تونغ “سيتحتم عليهم أن يمروا بمرحلة الإجبار قبل أن يدخلوا مرحلة إعادة صياغتهم بمحض إرادتهم”.

وفي المجمل فإن السياسات الحكومية الصينية داخل تركستان الشرقية سياسات تمييزية وتعد إرهابا حكوميا طبقا لمعايير تعريف الإرهاب وبالنظر للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق التي ترتكبها الإدارة الصينية داخل تركستان الشرقية لتحقيق توجهاتها السياسية والاجتماعية والدينية في أوساط الأويغور.

إن ما يجري داخل تركستان ضد الأويغور وهويتهم هو جريمة إبادة ثقافية ترتكبها الصين وسط صمت المجتمع الدولي وبالمخالفة لمبادىء الأمم المتحدة ولإعلانها بشأن حقوق الشعوب الأصلية الصادر فى 13/9/2007 برقم A/RES/61/295   

ويمكن ملاحظة أن السياسة الصينية في عدة مجالات تستهدف الإدارة الصينية فيها إضعاف هوية الأويغور ودمجهم واستيعابهم قسريا وبمعنى آخر تصيينهم.

أولاً: الدين

يعد الدين أهم المكونات والمؤثرات في تشكيل ثقافة الشعوب وحضاراتها، كما أن الدين يلعب دورا كبيرا في تكوين وتوجيه الرأي العام في كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية.

ومن المعلوم أن الشيوعية تتبنى نظرة معادية للدين بصفة عامة حتى يتسع لها المجال لتشكيل المجتمعات وصياغة أفكارها طبقا لرؤيتها. ومنذ الاحتلال الشيوعي الصيني لتركستان الشرقية تعرضت الهوية الدينية لمسلمي تركستان لمحاولات مستمرة للقضاء عليها أو إضعافها، بداية من إغلاق المساجد ومصادرة الأوقاف الإسلامية، وإغلاق المدارس الدينية والمحاكم الشرعية وتقييد حرية العبادة من صلاة وصيام وحج وحتى المظهر والزي الملتزم بتعاليم الدين، واقتناء الكتب الدينية ونسخ القرآن الكريم.

برغم تطبيق الصين لسياسة الانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي والتي أسفرت عن تخفيف الضغوط على حرية العبادة إلى حد ما، إلا أن هذا الاتجاه تم التراجع عنه في أواخر الثمانينيات وعادت السلطات الصينية إلى سياسة تقييد الأنشطة الدينية لدى الأويغور ومارست سياسات قمعية ضدهم وقد تصاعدت تلك السياسات عنفا مستغلة الحرب الدولية ضد الإرهاب ـ بالأخص بعد أحداث 11/9/2001 بالولايات المتحدة الأمريكية ـ والتي وجهت ضد المسلمين دون الأخذ في الاعتبار أن التطرف والإرهاب لا يلتزم مطلقا بالقواعد والتعاليم الدينية.

في إطار الحملات الصينية المتكررة ضد الإرهاب يتراجع كثيرا احترام السلطات الصينية للحريات الدينية ولحق الأويغور في ممارسة شعائر دينهم أو تعلمه والحصول على مواد دينية من كتب ومصاحف ومحاضرات، منتهكة بذلك كافة معايير حقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يؤكد على الحق في التفكير والتعبير والدين وإقامة الشعائر الدينية وممارستها سرا أو مع الجماعة.

إن الإطار الدستوري والقانوني في الصين بصياغته الغامضة التي تسمح بتقديم العديد من التفسيرات للنص القانوني توفر المبرر للسلطات الصينية لاتخاذ ما تشاء من سياسات قمعية تستهدف القضاء على الهوية الدينية للأويغور.

ثانياً: التعليم واللغة

من المؤكد أن العملية التعليمية ليست فقط لإعداد الفرد لكي يستطيع العمل واكتساب المعارف والعلوم والقدرة على التفكير العلمي، لكنها أيضا وسيلة مهمة لنقل التراث والهوية الحضارية والدينية، فعناصر وقيم وهوية أية حضارة لا تورث بل يلزم تعلمها ونقلها من جيل إلى آخر، وإذا توقف نقل أية حضارة أو نقلت مشوهة ضعفت أو فقدت هويتها بمرور الزمن ولربما انتهت.

ولذلك فمحتوى العملية التعليمية واللغة التي تقدم بها يؤثران تأثيرا كبيرا على آراء ومعتقدات واتجاهات الملتقى ومدى قدرته على الاحتفاظ بهويته الثقافية ونهوض حضارته أو اندثارها، وأيضا على تكوين الرأي العام وتوجيهه إلى الوجهة التي اكتسبوها من مناهج التعليم المختلفة؛ لهذه الأسباب تلجأ النظم التسلطية والاستعمارية لتضمين مناهجها التعليمية بالمواد التي تساير عقائدها المذهبية وأهدافها السياسية مع تهميش ثقافة وتاريخ وحضارة الآخر من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من الأفراد لصالح مشروعها السياسي أو الاستعماري وتحقيق أكبر قدر من الخضوع والتقبل لنظام الحكم المسيطر، ويمكن ملاحظة أن العملية التعليمية في تركستان الشرقية والتي تتم بإشراف وسيطرة كاملة للسلطات الصينية تفتقر لكافة مقومات الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للأويغور.

في تركستان الشرقية يتم التعليم في المدارس باللغة الصينية، وهناك مدارس أخرى ثنائية اللغة أي من المفترض أن تدار العملية التعليمية فيها باللغة الأويغورية والصينية، ولكن الواقع أن لغة التعليم هي اللغة الصينية منذ البداية، وحتى التعليم في المدارس ثنائية اللغة فلا يتم تدريس اللغة الأويغورية إلا بعد عدة سنوات من التدريس الكامل باللغة الصينية، وساعات تدريس الأويغورية غير كافية، كما أن المدارس ثنائية اللغة سيئة التجهيزات؛ ويُقدم تاريخ الأويغور من دول وشخصيات على أنه تاريخ منطقة صينية، كما يُمنع تعليم الدين أو ممارسة الشعائر الدينية في المدارس الأويغورية ولا يسمح بالتعليم الديني إلا في المدارس الدينية الرسمية الخاضعة للإشراف الكامل للسلطات الصينية من الناحية الإدارية وكذلك المادة التعليمية المقدمة .

إن العملية التعليمية في تركستان تدفع الطلاب قسرا للتخلي عن هويتهم الثقافية والدينية أو إضعافها لكى يمكن استيعاب ودمج الأويغور في ثقافة الهان .

ثالثاً: تغيير التركيب السكاني لتركستان الشرقية

يلزم لعملية التغيير الثقافي واستيعاب ودمج الآخر أن تكون نشأة الناس وتطورهم محاطة بالبيئة الثقافية الجديدة التي يراد الانتقال إليها، ويقتضي ذلك كما قلنا التأثير على أهم المجالات المؤثرة في التكوين الثقافي وإكساب الهوية للمجتمعات كالدين والتعليم واللغة، كما يشترط قوة الحضور الفعلي للهوية الثقافية الجديدة والتي تتضح في السيطرة الإدارية للهان على مختلف مواقع السلطة والعمل وفي عملية تغيير التركيب السكاني لتركستان الشرقية بتهجير أعداد هائلة من الهان من مختلف مناطق الصين إلى تركستان، وهؤلاء المهاجرون الهان لديهم ثقافة مختلفة فضلا عن عدم احترامهم لثقافة الأويغور، كما تتبع السلطات الصينية سياسات تمييزية لصالحهم في التوظيف والتعليم والسكن.

وبالتزامن مع تهجير أعداد كبيرة من الهان إلى تركستان يتم تهجير الآلاف من أبناء تركستان الشرقية وبالأخص الفتيات – منذ عام 2006 – إلى داخل الصين .

كما يضطر الآلاف من أبناء تركستان للهجرة خارج وطنهم فرارا من عمليات القمع والاضطهاد السياسي والديني أو للعمل والتعليم، وذلك في ظل التمييز الواضح ضدهم من قبل السلطات الصينية في الحصول على فرص العمل والتعليم الجيد مما أدى لارتفاع معدلات البطالة والأمية بين التركستانيين.

كما تمارس الصين عمليات التهجير القسري ضد الأويغور وتقوم بهدم أحيائهم السكنية القديمة ذات القيمة والرمزية التاريخية والمعمارية في كاشغر وغيرها بحجة تطوير هذه الأحياء بينما تستهدف السلطات الصينية تشتيت الكثافة السكانية للأويغور في مناطق محددة.

أدت السياسة السكانية الاستعمارية التي تمارسها الصين إلى زيادة تعداد الهان في تركستان الشرقية من نحو 5.7% عام 1949 إلى نحو 47% حاليا فضلا عن تواجد أعداد هائلة من الهان في الجيش والشرطة الصينية وفرق الإنتاج والبناء ( البنجتوان ) يعتقد أنها غير مدرجة في الإحصائيات الصينية ذات المنهجيات الغامضة والمراوغة.

 إن سياسة الصين السكانية في تركستان تؤدي إلى ارتفاع حدة الصراع الثقافي وصراع الهوية داخل تركستان، وتحاول الصين عن طريق ذلك الإسراع بعملية الاستيعاب والدمج الثقافي للتركستانيين داخل الأعداد الهائلة للهان في تركستان، إذ تُعول الصين على تأثير الزيادة العددية للهان وسيطرتهم على مواقع الإدارة والعمل، وما يحملونه معهم من أنماط ثقافتهم وحضارتهم في دفع التركستانيين للتأقلم والتعايش مع الأغلبية العددية المسيطرة من الهان.

إن سياسة الإدارة الصينية في كافة المجالات تستهدف في النهاية القضاء على هوية الأويغور وتصيين تركستان الشرقية، لقد أدت هذه السياسة إلى قيام الصين بانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الأويغور الدينية والثقافية متذرعة بالحرب ضد الإرهاب.

ووسط صمت ولامبالاة المجتمع الدولي ومنظماته ترتكب الصين أبشع الجرائم في تركستان الشرقية ما بين قتل وتعذيب وسجن وتهجير وفقر ومرض وبطالة ، تمضى الحياة والأيام حزينة وقاسية على الشعب المظلوم في تركستان الشرقية.

بعد كل هذه الآلام الإنسانية والانتهاكات لحقوق الإنسان في تركستان لا تزال الصين تعتقد أن بإمكانها استيعاب ودمج الأويغور وتصيين تركستان الشرقية شعبا وحضارة باستمرار القمع السياسي والديني والإبادة الثقافية لشعب الأويغور مستغلة الصمت والمواقف غير الفعالة لأغلب أعضاء المجتمع الدولي مما يشجعها على استمرار القمع والانتهاكات فأحيانا وكما يقول ” مارتن لوثر”: (لا تكون المشكلة في ظلم الأشرار ولكن في صمت الأخيار) فإلى متى يصمتون !؟

يجب أن تدرك الصين أن الأويغور يرفضون وبإصرار التنازل عن هويتهم الدينية والثقافية وأن الدين الإسلامي وحضارته يستطيعان الصمود والبقاء حتى في حالات الضعف والانكسار، بل وتحقيق التقدم واكتساب الآخر إلى جانبهم كما نجح الأويغور في تحويل الغزاة المغول إلى الإسلام وإلى قيمهم وحضارتهم .

يا شعب الأويغور أيها الشعب المظلوم الغريب في وطنه تركستان الشرقية أحيي صمودك وأسأل: متى تنقشع الغيوم؟

د. عز الدين الورداني
باحث متخصص في شئون آسيا الوسطى وتركستان الشرقية    

 

الى الأعلى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*