معسكرات اعتقال أيضاً

معسكرات اعتقال أيضاً

ساد شعور عام، خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة، سقوط الاتحاد السوفييتي، وانتصار الديمقراطية الليبرالية، بأن العالم يتجه نحو مزيد من الانفتاح والحريات واحترام حقوق الإنسان. وازداد هذا الشعور قوةً بفضل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبروز نزعةٍ إنسانية عالمية تجعل الإنسان محور التنمية، ورخاءه مقياس نجاحها. وعلى الرغم مما حصل في راوندا وبورندي في أفريقيا، والبوسنة وكوسوفو في جنوب أوروبا، وجمهورية الشيشان الروسية وغيرها من عمليات قتل جماعي على خلفياتٍ قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية، أو قبلية، إلا أن النظرة المتفائلة ظلت مستمرة بأن الأمور تمضي إلى الأحسن، وإن ببطء، خصوصا بعد تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو، لمنع وقوع مجازر جديدة عام 1999، ثم إقرار الأمم المتحدة، بموافقة جميع أعضائها، مبدأ المسؤولية في الحماية عام 2005، والذي قال بعدم الاعتداد بسيادة الدول في حال ارتكاب أو احتمال ارتكاب جرائم قتل جماعي، أو جرائم حرب، أو تطهير عرقي، أو جرائم ضد الإنسانية. التدخل الغربي في ليبيا عام 2011، وإن وقفت وراءه أجندات سياسية واضحة، ومصالح اقتصادية كبرى، تم وضعه في هذا السياق.
أخذت هذه النظرة المتفائلة تتلاشى خلال السنوات القليلة الماضية، وحلت مكانها نظرة سوداوية قاتمة، بعدما ارتُكبت كل الموبقات التي أشار إليها مبدأ المسؤولية في الحماية، وفوقها إزاحة وتهجير مجتمعات بأكملها، كانت المنطقة العربية مسرحها الرئيس (سورية والعراق تحديدا)، وشارك فيها العالم فعلاً، أو قولاً، أو صمتاً، بذريعة محاربة الإرهاب. لكن المنطقة العربية التي أنتجت خلال هذه الفترة نحو ثلث لاجئي العالم، في حين لا تشكل سوى نحو 4% من سكانه، باتت تمثل جزءاً من حالةٍ تهدّد بالاتساع مع صعود النزعات القومية والشعبوية وسياسات الهوية في الدول الديمقراطية، واشتداد عضد النظم الاستبدادية والشمولية، مع عودة نموذج الحاكم الفرد في الصين وروسيا.
احتلت مأساة الروهينغا، خلال العام الماضي، مكانًا بارزًا في وسائل الإعلام، وصنفتها منظمات حقوقية عالمية على أنها جريمة تطهير عرقي، سقطت فيها “أسطورة” حقوق الإنسان، أون سان سو تشي، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام عام 1991، إذ قرر مجلس الشيوخ الكندي أخيرا تجريدها من جنسيتها الفخرية الكندية التي منحت لها عام 2007، وهناك حملة لتجريدها من جائزة نوبل للسلام، ليس فقط لصمتها، بل لمسؤوليتها السياسية عن الجرائم المرتكبة بحق الروهينغا.
باتت كل هذه الانتهاكات على وقعها الصادم مألوفة في عالمنا المعاصر. وفوق ذلك، بدأت تطفو أخيرا أخبار جريمةٍ كنا نعتقد أنه يمكن أن نصادفها فقط في كتب التاريخ، تتحدّث عن معسكرات اعتقال جماعية، شبيهة بمعسكرات الاعتقال النازية، أقامتها الحكومة الصينية للشعب الإيغوري المسلم. وتتحدث الصحف وحكومات غربية عن احتجاز نحو مليون من مسلمي الأويغور تتهمهم الصين بالتطرّف في معسكرات اعتقال سرية، أقيمت منذ مطلع عام 2017 في إقليم سينغيانغ (تركستان الشرقية) شمال غرب الصين. كما تمت إحالة مليونين آخرين إلى معسكرات “تثقيفية”، لتطهير عقولهم من الأفكار المتطرّفة. في هذه المعسكرات، يتم عزل الأطفال عن أهاليهم وبيئتهم وثقافتهم، ويجري تعليمهم بدلا من ذلك لغة الماندرين، وثقافة الهان (الجماعة الإثنية الأكبر والمسيطرة في الصين) وكتب تمجد الحزب الشيوعي الصيني، والقائد “العظيم” شي جين بينغ.
وبحسب “هيومان رايتس ووتش”، تستخدم الحكومة الصينية أحدث وسائل المراقبة والرصد وتحاليل الحمض النووي وبصمة الصوت، لتعريف كل فردٍ من أفراد الشعب الإيغوري بغرض إبقائه تحت المراقبة على مدار الساعة. ويتم وضع لصاقات إلكترونية تحوي هذه المعلومات على أبواب المنازل، تشمل عدد أفراد الأسرة وأسماءهم وتعليمهم ونشاطاتهم وتاريخهم الوظيفي، وكل معلومة مهما كانت صغيرة تخصهم، وتستطيع الشرطة بمجرّد مسح هذه اللصاقة الإلكترونية بواسطة أجهزة صغيرة محمولة معرفة كل معلومةٍ تخص سكان هذا المنزل من دون الحاجة إلى طرق الباب.
هذه الجرائم، والانتهاكات، وغيرها، والتي باتت ترتكب على نطاق عالمي، أمام الكاميرات، ومن دون خجل، تصفعنا في وجوهنا بسؤال ظننا أننا تجاوزناه عما إذا كان المجتمع البشري قد تخطّى حقا مرحلة التوحش، ليس في شكله ومظهره، إنما في فكره وسلوكه.

مروان قبلان

17 أكتوبر 2

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*