تركستان الشرقية

بقلم: د. عبد الواحد
الحميد

كنت قد كتبت في وقت سابق عن مسلمي الاتحاد السوفيتي … وقد تلقيت
خطابا من الأستاذ حاتم حسن قاضي، مساعد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي،
للمنظمات والدراسات، يتضمن بعض الكتب المتعلقة بالشعوب الإسلامية في الصين والاتحاد
السوفيتي.

وبعد أن قرأت كتاب (تركستان الشرقية في ظل الحكم الشيوعي الصيني) اكتشفت
أن واقع المسلمين في الصين لا يزال مجهولا بالنسبة للكثيرين منا، فنحن نعرف بعض
تفاصيل ما كان يحدث لإخواننا المسلمين في الاتحاد السوفيتي لكننا لا نعرف إلَّا
القليل عن معاناة مسلمي الصين في تركستان الشرقية التي يسميها الصينيون إقليم
(سينكيانج).

ولا يستع المجال للحديث بالتفصيل عن مسلمي تركستان الشرقية، ولكن
-باختصار- يمكن القول إن قضية هؤلاء الناس تشبه القضية الفلسطينية إلى حد كبير فهي
تتعلق بإلغاء هوية شعب، وإحلال شعب آخر محله، وسرقة أراضيه، وإطلاق اسم آخر على
وطنه!!

فمثلما غير اليهود اسم (فلسطين) إلى اسم آخر وهو (إسرائيل)، غير
الصينيون اسم (تركستان الشرقية) إلى اسم آخر هو (سينكيانج).

ومثلما قام اليهود بتهجير الشعب الفلسطيني وإحلال اليهود محلهم، قام
الصينيون بإرهاب شعب تركستان الشرقية وتشتيه وتشجيع المواطنين الصينيين على الهجرة
إلى تركستان، وعلى سبيل المثال فقد كانت نسبة الصينيين في تركستان الشرقية لا تزيد
عن 6 بالمائة عام 1953م وبحلول عام 1987م كانت قد وصلت إلى 53
بالمائة!!

ومثلما يطلق اليهود التصريحات العنصرية ضد الفلسطينيين، يطلق الصينيون
تصريحات حاقدة وعنصرية ضد شعب تركستان، وعلى سبيل المثال فإن الفيلسوف الصيني
الشهير (وانغ فوزي) يقول: (يلا يعتبر ظلما احتلال أرض البرابرة -أي أهل تركستان-
ولا ذنبا عند قتل البرابرة، ولا خيانة عند غش أو خداع البرابرة) وهي مقولة تذكر
بكتابات وتصريحات (مائير كاهانا) عن الفلسطينيين!!

ومثلما يدعي اليهود أن فلسطين هي أرض آبائهم وأجدادهم قبل آلاف السنين،
فإن (ماوتسي تونغ) رفض استقلال تركستان بحجة أنها (كانت طوال ألفي عام جزء لا يتجزء
من الصين) و(إن المطالبة باستقلالها يعتبر معادات للاشتراكية
والتاريخ).

ومثلما يقوم اليهود بتدنيس وسرقة الأماكن الإسلامية المقدسة، قام
الصينيون بمصاردة أراضي ومتلكات الأوقاف الإسلامية وفرضوا على شعب تركستان تعليق
صور ماوتسي تونغ في المساجد ونشر المبادئ الشيوعية أثناء الفروض الدينية وقفل أكثر
من 29 ألف مسجد وتحويلها إلى مضاجع وإسطبلات ومذابح!!

ومثلما استحوذ اليهود على الوظائف المهمة في فلسطين وتكريس الشعب
الفلسطيني للقيام بالأعمال الحقيرة، فإن الصينيين سيطروا على كل المناصب والوظائف
المهمة وسخروا شعب تركستان للقيام الأعمال الشاقة والحقيرة.

ونستطيع الاستمرار في إقامة المقارنات بين ما حدث في فلسطين وفي تركستان
الشرقية.

وهي مقارنات تؤكد -في التحليل النهائي- أن همومنا واحدة وأن الأمم
تتداعى علينا مثلما يتداعى الأكلة على القصعة!! والمأسة أننا لا نزال نكرر نفس
السؤال القديم: كيف نخرج من هذا المأزق؟ ومن يملك المفتاح السحري
للخروج؟!

وتستهين الحكومة الصينية بكل القيم الإنسانية عندما تصعد حملتها هذه
الأيام ضد المسلمين في منطق تركستان الشرقية والتي غيرت اسمها إلى إقليم (سينكيانج)
منذ أن أخضعتها لسيطرتها ومضت في مصادرة هويتها القومية
والدينية!

وبرغم أن تاريخ تلك المنطقة حافل بالمواجهات الدامية مع قوات الاحتلال
الصيني، فإن ما تشهده هذه الأيام يعتبر وضعًا استثنائيًّا في بشاعته؛ لأن العالم
كله تغير  ولم هناك من يستطيع أن يواصل قمع الشعوب ويصادر
حرياتها.

ويتعرض مسلمو تركستان الشرقية لموجة من القمع لمجرد أن إخوانهم المسلمين
في الجمهوريات السوفيتية السابقة نجحوا في انتزاع استقلالهم، مما يشكل تهديدا
للهيمنة الصينية على تركستان الشرقية، فيما لو سرت عدوى هذه النزعة الاستقلالية إلى
سكان الإقليم!

لكن الصين تغالط الواقع وحقائق التاريخ حينما تربط النزعة الاستقلالية
لسكان تركستان الشرقية مع ما يحدث في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، كما لو
كان ذلك مجرد رد فعل عابر مرتبط بالظروف المستجدة في تلك الجمهوريات، فالواقع أن
المسلمين في تركستان الشرقية لم يشعروا في يوم من الأيام بالانتماء للصين ولا
بالولاء للحكومة الصينية لأنهم -ببساطة- ليسوا صينيين ولا تربطهم بالصين إلَّا
القوانين والأنظمة القهرية المفروضة عليهم بالقوة!

وعلى أية حال فإن ما يحدث في تركستان الشرقية على أيدي قوات الاحتلال
الصينية ليس بمستغرب عندما تأخذ في الحسبان ما يحدث في الصين نفسها من قمع القوى
الديمقراطية بالإضافة إلى القمع الذي تمارسه الحكومة الصينية ضد أهالي التيبت وهم
غير الصينيين.

إن العالم الإسلامي مطالب بالوقوف مع أهل تركستان الشرقية، وتبني
قضيتهم، والحديث عنها في المحافل الدولية، وهذا أقل ما يمليه الواجب
تجاههم.

جريدة (عكاظ)

13 جمادى الأولى

9 رمضان 1412 هـ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*